أدمع وأدمع


 يا اطيب صديق..
   .. وهل تظن أن هناك أطيب من السانحات التي قضيتها في أستراليا؟ 
   لقد سمّرت في نفسي مدى العمر طابعاً لا يمحى، إذ وجدتني بين أهلي ألاقي كل حفاوة وتكريم. 
   انك لم تترك عملاً ولا حفلاً ولا تكريماً إلا وقمت به في سبيل عصام، الذي يرى فيك الخلّ الوفي، الذي يزعم الناس أنه غير موجود.. وها أنا أقسم اني وجدته.. يا أيها الحركة التي لا تهدأ في سبيل وطنك، وفي سبيل الشعر والفكر.
   أستعرض الآن كل مراحل الزيارة بلوعة وحنين، ومن تلقائي أدمع وأدمع وأدمع، ولاسيّما حين أتمثّل أمامي "أم أنطوان" في عمل مستمرّ لتوفير الراحة لضيفها وللجميع، حتى يظن كل وافد الى أستراليا أن بيته الثاني هو "بيت البعيني"، محجّة الأدباء والمفكرين والمشرّدين، ولا تضطرب اذا وجدت بينهم "بروتوس" ويوضاس، فذلك هو كمال الحياة والمجد، فلولا الليل لم يعرف النهار، ولولا الشوك لم يعرف الورد.
   لقد كتبت الى كل من اهتمّ بي في هذه الزيارة التاريخية، كل من أعطيتني عناوينهم، ولقد تعلّمت منك الكثير، وها أنا عامل بنصائحك، فقد صقلتك الغربة، وزادتك مواهب على مواهب، ومن الآن سأعمل بكل ما أشرت عليّ به، فإن ذلك عندان النجاح.
   ولا أقدر أن أصف شعوري نحو أنطوان الذي اهتمّ بي اهتماماً بالغاً، مع بقية الاخوة، الذين حاوطوني بعواطفهم هم وعيالهم، وتلك الرحلات المتواترة التي قمنا معاً، لكأنّ عصام حداد فرد منهم، وهو يحسب نفسه منذ الآن الأخ الآخر الذي يعيش معهم في الروح والفكر.
   سأواصل دائماً، ان شاء الله، رسائلي اليك على الورق، وعبر الهاتف، وان شاء الله أوفق الى "فاكس"، حيث تسهل لي المواصلات. فثق انك دائماً معي، وكلما اجتمع اثنان من بيتنا تكون أنت الثالث، وكلما طبع لك أثر، أو نشر لك مقال، ابعث به الي، وهنا فور حضور أي شخص الى أستراليا أبعث معه حصيلة ما قمت به من جهد واعلام. فإن الاعلام، على حد ما تقول أنت، خير وسيلة لنشر الكلمة.
   أكرر شكري وحبّي الدائم لما أبديته نحوي مع الاخوة الأحبّاء، ولاسيما "أنطوان"، مع تقبيل يد "أم انطوان" التي لا أجد بعد أمي أحن منها أماً، فقد حضنتني كولد وحيد، وكثيراً ما تترك مسبحتها وتهرع لترى ما يريد ضيفها، وما يتمنى، وما يحتاج اليه.
   وحين عرفتها، لم أعجب كيف، والحمد للرب، نجحتم، لأن هذا النجاح، وكل نجاح، وراءه أم عظيمة، ومن أعظم من أم أنطوان؟
   اخوتي.. أصبحت الهاجس الأهم عندهم، رسمك في بيتنا، وفي قلبنا، واللبنانيون يعرفون عنك الكثير، وأنا أوالي نشر اسمك وكتبك بينهم، عساهم يرونك مواجهة في لبنان الحبيب، عندما تسنح لك الفرصة، فنعمل معاً في سبيل الوطن والفكر.
   كل الذين يعرفونك هنا يسلمون عليك بلهفة واعجاب "فرداً وفردة"، مكرراً عاطفتي وشكري وامتناني للرابطة التي تحيي التراث تحت كل سماء، ولك، ولا شك، الفضل الأكبر.. متمنياً أن نتلاقى دائماً، ولاسيما تحت سماء لبنان.
جبيل 30/11/1991
**