ملاحم حنين


  "مقتطفات خاصة بشربل بعيني من مقال طويل بعنوان "لبنان الثقافي من القارة البعيدة أستراليا.. ملاحم حنين وأشعار تنزل في الوطن، مذكرة بحافظ ابراهيم والمهجريين الاوائل".
   ما أعظم اللبناني! حيث يُزرع، يركز لبلاده بلاداً، ولأدبه حضارة، يروح ويرجع، ودائماً في فمه غصن زيتون، وفي قلبه حصن للمحبة، وعلى جبينه غار مجد وعنفوان.
   ولكم دهشت باللبنانيين في أستراليا يلهفون ليل نهار، لا لخدمة لبنان فحسب، بل الانسانية والفكر الذي لا وطن له ولا حدود ولا سدود.
   عرفتهم بواسطة الديناميكي المهووس بوطنه الى حد الاسراف، الذي ينبش في دماغه ألف خلد وخلد، الشاعر شربل بعيني، الذي أقام الأرض وما أقعدها بعد في أستراليا، وظل هذا الرجل المعطاء، بعد معرفتي به، يمدني بأخبار الأدباء هناك، فتسنى لي الوقوف عن كثب، من وراء الابعاد على نشاطات هؤلاء العنادل من اقامة حفلات وجوائز، ومهرجانات أدبية وغنائية وفنية، بالاضافة الى صحف ومجلات عدة، ومؤسسات للرسم والموسيقى وشتى الفنون، وقد عرفت بالكتابة حتى الآن: عصمت الأيوبي، شربل بعيني، كلارك بعيني، أكرم المغوّش، أنطونيوس بو رزق، جميل م الدويهي، فؤاد نعمان الخوري، نعيم خوري، جوزاف بو ملحم، راشد الحلاب، زين الحسن، فؤاد نمور، عصام ملكي وكامل المر.
   واليوم، تصلني معلقة بعنوان "بحيرة الضوء"، صادرة عن منشورات شربل بعيني، تأليف نعيم خوري، الغلاف للفنان العالمي "لاموس"، والديكور للفنانة ماري آن، وفيها يصف الشاعر الاحتفالات التي تقام في "رابطة احياء التراث العربي"، قدّمها شربل بعيني بكلمة، منها:
   "بحيرة الضوء.. ستبقى القصيدة الأكثر توهجاً، الأبعد خيالاً، الأمتن سبكاً، الأعمق محبة، والأصدق تعبيراً لفترة زمنية ستطول وتطول الى ما لا نهاية، خاصة وانها تستمد ديمومتها من مخيلة عملاقة قد لا يهبها الله إلا للانبياء.
   137 بيتاً شعرياً هي معلقة تتشاوف على المعلقات السبع، شرّعت أبوابها مساء التاسع من شهر كانون الأول سنة 1990 لاستقبال عشرين جبرانياً منحتهم رابطة احياء التراث العربي "جائزة جبران العالمية" على مدى أربع سنوات، بعد أن استضاء الكون بنور كلماتهم، فاستحقوا بذلك ثناء شاعر مهجري عظيم لم يعرف قلبه الا المحبة، ولم يبشّر قلمه الا بالمحبة، فكان النعيم لكل من عرفه، وكان اسمه نعيم خوري".
.......
   وينتقل الى شربل بعيني الذي فاز بالجائزة على ديوانه "كيف أينعت السنابل" فيقول:
هذا بعيني شعره وحنينه
وتر يغنّي للهوى وربابُ
ما كان يرسم بالدموع وإنما
بدم الشهادة فنه المسكابُ
غدرت به الدنيا وصوت رصاصها
ليل أصمّ ومخلبٌ قصّابُ
في عتمة التاريخ كل جريمة 
يطفو على بصماتها "الإرهابُ".
   وفي هذه الأبيات يختصر الشاعر نعيم تاريخ هجرة شربل بعيني التي لا يعرفها الا من يعرف تاريخها، ومصدرها، وواقعها، وأسبابها. هذه الأبيات أبدع بها الشاعر أيما إبداع، فقد سجل بأبيات معدودة سجل شربل بصور رائعة، إذ أن "البعيني" كله قصيدة رقة وحنين، و"للهوى رباب" في شعره، ولاسيما الغزلي.. وفي شعره الوطني الثوري يرسم بالدم كلماته، وهذا ما يذكرك بقول "هوغو": الشعر كلام يصور أو صور تتكلم.
   وكيف غدرت به الدنيا؟ هذا يطرح للمناقشة. شربل سافر الى أستراليا تحت وطأة التهديد، تاركاً أهله وهو ابن عشرين سنة، على أثر قصيدة ثورية ألقاها.. فجلبت النقمة عليه الى حد أن أنذر مرتين ان "أعادها" يرمى في البئر، فإذا بالفتى يخاف على جلده ان يسلخ، ويا ليت "بمخلب قصاب"، ففر مع الليل، وكان صباح أستراليا البهيج يطلع عليه بإشراقات وبدائع وشموس.
   أما أنا فأبارك تلك الليلة التي ولد فيها شاعر اسمه شربل بعيني، يوم هدد بالقتل، وانذر بواسطة خوري الضيعة "ليرحل".. لقد ولد وتعمد على يد هذا الخوري، وفي آن معاً ثبّت في ملكوت الشعر على عرش كبير.
   ويا ليتني أعرف أولئك الذين هددوه لكي أقبّلهم في عيونهم قبلات الشكر.. فقد خلقوا من غربة شربل بعيني شاعراً ثورياً مبدعاً. وهذا ما يذكرني أيضاً بقول انطون الجميل في خليل مطران عند وصوله الى بيت في قصيدة "المساء" يقول فيه:
ثاوٍ على صخر أصم وليت لي
قلباً كهذي الصخرة الصماء
   يقول الجميل ما معناه متمنياً على الشاعر أن يجرح لا أن يكون صخرة صماء، لأن الشاعر لا يسيل شعره إلا من جراحه، كالشجرة لا يسيل سائلها إلا من جراحها.
   ونحن لقد ربحنا شربل الشاعر الفذ الحامل لواء بلاده والشعر، ولواء العطاء والوفاء والفداء.
الأنوار، العدد 10981، 14 تشرين أول 1991
**