براءة شربل بعيني المحببة

   لعلّ شربل بعيني من القلّة من الناس الذين يمدّون للحال أسلاكهم من قلب لقلب.
   عرفته صدفة في "المربد" مهرجان الشعر في العراق، يباهي بانتمائه إلى شعراء المهاجر، وبأن الإنتشار يحمل مشعل الرسالة الوطنيّة على أوفى ما تكون الأمانة، ويكون الإيمان بالوطنيّة والمجد والخلود، فأكبرت فيه هذا الهوس الفريد في حبّ لبنان، يجنّد له كل قوى الفكر والعطاء في أستراليا مع كوكبة مختارة من أهل القلم الذين رفعوا علمهم فوق كل علم. 
   وكم أصابتني قصيدته المربديّة عندما تحدّث عن غربته وقهره واحتراقه، لكن هذه الغربة، وهذا القهر، وهذا الإحتراق، كوّنت منه شاعراً يحس آلام الآخرين. 
   ولا عجب، فقد عمل ويعمل في سبيل أمتّه، ومتى كان المهاجر غير قلب لبنان النابض وشطره الأحبّ؟
   الشعر هو إخلاص ومعاناة، وقد لمستهما فيه، وأعوذ الشعر من الهذيان، والمذاهب المصطنعة، فمهما أطلقوا عليه من تسميّات تبقى أحلى تسمية له "الشعر" فقط، لا قبل ولا بعد، ولا فرق بعدئذ كيف جاء لباسه، شرط أن يدخل القلب، ويدعو إلى رسالة وتجدد ومجد.
   قرأت له "الغربة الطويلة"، فأصبت للبناني متوثّب شرّدته الأيام عن وطنه الأم، ولكن الجراح كوّنت منه لحناً شاعرياً كالغدير المترقرق على هوس ومباهاة بحبه الوفي، بقلبه المعطاء، بلبنانه المجروح.
   ولا يتورّع أن يدلّ على عورات وهنات، وهذا هو الصدق، فالدلالة على الخطأ للاصلاح رسالة المفكر الذي يريد أن يكون شاهداً على عصره، وصدى لشعبه، ومرآة لبيئته، وعصباً ودما في جسده، وظلاً يقيه العاديات.
   وقرأت له "كيف أينعت السنابل؟"، فلمست براءته المحببة في إظهار مكامنه كيف جاءت، شرط أن يفهم الجمهور قصده، ولا فرق عنده كسر بيت أم رثّ تعبير، ويقول إن هذا تجديد في الصياغة العربية، وإنه لا يريد من أدبه إلا أن يكون واضحاً، والحال إنه كالشمس وضوحاً، وكالبراءة صفاوة، وكالجدول عطاء.
   شربل يعطي من قلبه بعفوية الينبوع والورد، وتقع على شطحات من قلمه رائعة، تبشّر بغدٍ مثمر، يعد له مجداً أدبياً في عداد أدبائنا الكبار.
   وحسبه انه يبذر في روح طلابه ومعارفه الروح الوطنية والروح الانسانية البعيدة عن روح التفرقة، التي كثيراً ما تستفيق في شرقنا الملوّع، فتحط به عن الرفعة بمصاف الأمم.
   كم أتمنى أن يقرّب الله ذلك اليوم نتلاقى فيه كلّنا تحت سماء لبنان فنبنيه آية في الأمم.
 صوت المغترب ـ العدد 974 ـ 18/12/1988
**