مسرحية هنود من لبنان

   النهضة الأدبية والاجتماعية والتربوية في أستراليا اليوم، ملتفت أنظار العالم، لأن كل هاجس هذه الكوكبة من اللبنانيين البررة، ان يزرعوا لبنان حيث يحلون، لا بل أن يعوّضوا عن صوره المشوهة، التي أحدثتها الحروب فيه وعليه، بجهد مضاعف، ليظهروا وجه لبنان الحق، وجه العطاء والنور والفداء.
   ومن هذه الأعمال الجبارة، المسرحية التي مثلها صغار من طلاب مدرسة سيدة لبنان ـ هاريس بارك، لراهبات العائلة المقدسة المارونيات في الآونة الأخيرة بعنوان "هنود من لبنان"، تأليف واخراج شربل بعيني، الشاعر الذي تفوق كتبه العشرين، وهو لم يتجاوز بعد الأربعين، وهو في أستراليا مالىء الدنيا، وشاغل الناس، يعمل في حقل التعليم والصحافة، حتى لا يدع سانحة وزاوية في مجلة أو جريدة وحفلة ومنتدى، إلا ويملأها بجهوده ومعارفه.. يتمنى لو أن يومه وليله أكثر من 24 ساعة ليفعم أستراليا بكل عطاء.
   ان 300 طالب وطالبة من الصفوف الابتدائية، حفزها شربل بعيني للتمثيل بلغة وطنه الأم، بحضور العديد من رجال الدين والسياسيين والصحفيين والدبلوماسيين والشعراء والادباء ورجال الاعمال، أخص هؤلاء الحضور: سيادة المطران يوسف حتي، وقنصل لبنان العام الاستاذ سليمان الراسي، واعضاء الجالية اللبنانية، وأهل الطلاب، ولفيف الراهبات.
   أول ما يدهشك في هذه المسرحية طفلة اسمها ريما الياس، تذكرك بـ "ريمي بندلي"، وهي رائعة في ادائها، تغني حتى تسحر، وترفع الحضور الى ملأ أثيري احياناً يستنزف الدموع، وغالباً تصفق لها بكل الجوارح، وتنجذب الى المسرح بقلبك وروحك وعينيك، وتؤخذ بمناظر الديكور والازياء والرقصات التي صممها طلاب المدرسة. عدا الالحان المبدعة في أغنية "غريبه" التي لحنها "ادغار بازرجي" وهو صاحب موهبة خلاقة، وأغنية "جايي عيدي" التي لحنها "الياس اخوان"، الواعدون بنهضة فنية، وأغنية "لا تمنعوني حب" لمجدي بولس، الدائب ليل نهار لاعطاء فن رائع جديد. يهندس كل هذه الأصوات الفنان سامي هيفا. حتى لتشدك المسرحية بكل ما فيها في نفس واحد رائع تبارك المواهب اللبنانية التي تعكس وجه لبنان، ووجه الله عليه.
   يبدأها شربل بقوله: "اذا الطفل ما بيعرف يحكي بالعامية، بلسان امو وبيّو، كل كتب المدارس ما راح تفيدو ولو صار بالجامعة". بهذه الرسالة يبشّر الشاعر حتى لا تغيب في خضم الغربة سحنة لبنان، وتبتلع لجة الاغراب الدم اللبناني النقي.
   "هنود من لبنان" يركّز بها شربل على ان التفرقة التي عصفت ببني لبنان مصدرها الحكّام الذين لم يحسنوا اداء الرسالة. يلومهم بعنف لأنهم شردوا شعبهم الى أصقاع الأرض، فجاع وهرب يطلب لقمة العيش الكريمة تحت كل سماء. ويرجّع اهل هذه التفرقة الى الطائفية الحقيرة، وينذر بالخراب اذا بقي هذا الوطن يدّعي انه يمدّن الكون، وهو أعجز من أن يوحّد بنيه.
   يهتف شربل من أعماق أوجاعه: "لقمة الخبز ببلادنا صار حقّا دم. يخرب بيتو اللي خرب بلادنا.. اذا حكينا مره بيسدّوا بوزنا بالمرّه".
   هذا الدم الذي هرق لأجل اللقمة، ولأجل الحقيقة، ولأجل الكلمة، أرادوا من ورائه ازالة الوطن من الوجود، ولكن ارادة بنيه أقوى، وارادتهم أعجز من أن تزيل هذا الوطن من الوجود. لذلك سكت أهل الكلمة في لبنان، وكموا افواههم، وكان شربل من هؤلاء الذين شردوا بسبيل الحقيقة.. ولكن في الغربة أتيح له أن يقول كل ما في قلبه وعقله بإبداع لفت أنظار لبنان المغترب والمقيم بنهضة فكرية يذكرها تاريخ الاغتراب بأحرف من ذهب.
   ويصرخ من أعماقه" "لحماتي ما بيكفّوا" ليدلل على تمادي الظلم والقهر اللذين جرّدا حتى العظم أهل لبنان.. ولكن لا يلين، فيطلق هذه الحكمة الرائعة البسيطة: "التاريخ متل راس البطيخ ع طول لونو أحمر". 
   ولكن شربل رغم ايمانه بدور الوطن، يلهب بقلمه الثورة فيقول:" دود الخل منّو وفيه.. وكل عمرا عوجا".
   هل حان أن نتعلم أن نقضي على هذا الدود، هل تظل "المقتايه عوجا"؟
   يا للعجب، كيف لا نعرف قدر لبنان، أو أننا خلقنا للتفرقة، ولا نستطيع أن نبدّل من طبيعة هذا اللحم والدم؟.
الأنوار ـ العدد 10996، 29 تشرين أول 1991
**