أطل شربل

   ها أنا في "أيكتي" المتصوّفة في عين كفاع بين الأزهار والورود والسنديان، أجلس لأتحدّث، وكلي عذوبة، الى روحك، لأنعم من مناعم نسيمات لبنان.
   لقد كان يلحّ هاتف ذات صباح، ويطرق عليّ من شركة "كتانة": لك كرتونة كتب من أستراليا. وهممت صباح اليوم التالي الى بيروت، فإذا المنطقة غارقة في القذائف، مما تعذّر عليّ تسلمها، إلا نهاية نيسان، حين عادت الحياة الطبيعية الى عهدها الأول، وفتحت الأسواق، ولشدّ فرحتي حين شرعت أفضّ الكرتونة، فكأني أفضّ كنزاً غالياً، أشده الى قلبي، فلقيت الكتب القديمة والحديثة مع الشرائط والتسجيلات المرسلة، فشرعت أستعرضها على المسجلات والتلفزيون، ولهفتي عارمة بطلعتك البهية، أدلّ اخوتي والآخرين كلما أطللت بقامتك الهيفاء، حتى صار الحاضرون يرددون: "هه، هه، طل شربل.. طل صاحبك".
   والحقيقة، بكيت مراراً لأسباب عدّة، منها حماسك المعهود في سبيل الوطن، وسبيل الفكر، والذي أبكاني من الفرح، هو النشاط المذهل الذي لم أكن أتوقعه في أستراليا، فبدل العمل المتواصل في الغربة القسرية، التي يعانيها اللبناني في سبيل كرامته، راح يعمل القلم في الاصلاح وخدمة الفكر والانسان.
   الواقع، لقد لفت نظري كتاب الاستاذ محمد زهير الباشا بما فيه من عمق وتحليل، وقد كنت أطالع له فيما مضى في المجلات اللبنانية، ولقد وقع بين يديّ أمس مقال له نشر في مجلة "الانطلاق"، السنة الأولى العدد 7 ـ 1961، وقيد قوله: "المرء الذي يتألم من فكره، يسير الى تحريره.. الانسان المثقف هو الانسان المتصل بالحياة، وبسبل الحياة.. المثقف يعيش مع سبحات البسمة الناعمة، ولا ينحني للآلة، أو يخاف فوران الصاروخ قبل اندلاعه.. قلبه يصلي لدفقة الروح، ولنغمة التردد، ولانتظار موعد". هذه النتف من مقال بعنوان "ثقافتنا المعاصرة".
   لقد عشت معك طوال هذه الأسابيع، أقرأك حرفاً حرفاً، وشرعت أتصل بالأدباء، أخبرهم عن نشاطك، ونشاط اللبنانيين في الغربة. كما أن كتبك تتصدر مكتبتي الواقعة في قلب جبيل، يؤمها الأدباء والمتأدبون. وبودي اهداء الصحفيين والكتّاب الذين ينوون الكتابة عنك، ولقد أهديت حتى الآن العلامة الأب لويس أبي عتمة، الكثير من كتبك، وطلبت منه كلمة ينشرها في الصحف، كذلك قدّمت كتبك للدكتور الياس الحاج، وهو دكتور في الفلسفة، يدرّس في مدارس عدّة، وله قلم بارع في اصطياد الكلمة الرائعة. وعما قريب أوقع بعضها الى الاستاذ "نسيب نمر"، وهو يكتب في الأنوار والنهار، ولا شك تعرفه من بغداد.
   جلّ ما أقول ان التحدّث عما تقومون به في الاغتراب سيكون شغلي الدائم، وعما قريب سأبعث اليك بمقال أصف به حفلة التكريم التي قمتم بها للاستاذ الباشا، متمنياً أن توافوني دائماً بمقالات وقصائد من جميع المفكرين والشعراء، فأنشرها لكم في صحفنا ومجلاتنا اللبنانية. 
   وبهذه المناسبة أعلمك أنني استحصلت على رخصة مجلة أدبية فنيّة اجتماعية، كل شيء ما عدا السياسة، باسم "بيبلوس"، للنشاط في اللغة العربية واللغات الأجنبية. وقد كنت عزمت على المباشرة بإصدارها مع نخبة من المفكرين، لكن الظروف المعهودة حالت دون تتميم الأمنية.
   لقد أدهشني أيضاً كتاب "يوم محمد زهير الباشا" وفوجئت بأدباء كبار، وشعراء كبار، لم أكن أسمع بهم من قبل، لا أقول انهم مغمورون، فلربما، قصر باعي في القراءة، حجبهم عني من قبل.
   أثرني فؤاد نعمان الخوري بقصيدته التي غنّى بعضها في التسجيل، أبكاني مراراً بصوته وعاطفته. إن فؤاد صديقي، ولنا معاً في "الأيكة" ذكريات، وله في عين كفاع، وفي صديقه عصام، أبيات كثيرة.
   وأذكر اني قرأت قصيدته في الأنوار، وصدقني كل مرّة أقرأها تدمع عيني للعاطفة التي في قصيدته، ولـ"مجدليا" التي صار حبّها يعمل في قلبي عمل الذرة. قبلاتي الى فؤاد واعجابي.
   بهذه العجالة، لا مجال للاشادة بالمفكرين والشعراء، فلسوف أتكلّم عنهم مسهباً قريباً في جريدة "الأنوار"، وارسل لك المقال مع فرقة مسرح نبيه ابو الحسن الآتية الى أستراليا خلال هذا الشهر، لأن حامل رسالتي اليك ينتظرني بفارغ صبر.
   اعذرني على السرعة. فالآن أتوقف عن الكتابة، وفي داخلي فيض عارم من الحب والكلام اليك يا شربلي الحبيب. جمعني الله بك ولو في جهنم. وصرت بعد الذي تعملونه وتعملونه في أستراليا أتمنى لو انضم اليكم أو تنضمون الينا.
   فعسى فرج من عند ربّك قريب. أعانقك بشوق أنت تعرفه.
عين كفاع 10/6/1990
**