لا عجب أن يكرّم الإغتراب اللبناني الشّاعر شربل بعيني، فالجامعة الثقافيّة في العالـم، بالمجلس القاري، انتخب هذا اللبناني الكبير في عالـم الإنتشار أميراً من أمراء الكلمة، حمل هـمّ الثقافة وهـمّ لبنان على منكبيه أكثر من ربع قرن.
هذا الرجل المهووس بوطنه وبالفكر، لا يرتاح منذ أن هجر لبنان هجرة قسريّة، فما كلّ وما لان، لأنّه طُبع على التضحيّة والوطنيّة والإستشهاد في سبيل القلـم، وفي سبيل لبنان.
فسبحان اللّـه كيف يبعث للأمـم، دوماً، رجالاً يمشون على الإبر والحراب، ولا يهابون الموت، لأنهم رسلٌ يؤاتيهم اللّـه القوّة ليتحمّلوا كلّ الصعاب.
شربل بعيني الشّاعر المربّي الوطني الإنساني، هو مجموعة رجال كوّنت منه، على حدّ براءة الجامعة الثقافيّة، قدموساً آخر حمل التراث الحضاري اللبناني الإنساني إلى العالـم، يعلّم ويثقّف، يكتب ويحاضر، لكأنّه يحسب الدنيا كلّها عطاء لأمّته. يرى الكون من خلالها، ويراها من خلال روحه وقلبه وقلمه، كنوزاً لا تنفد وفولاذاً لا يلين.
إن هذه النضارة في الروح، وهذا العنفوان الأرزي في الجبين، وهذا القلب كرواء تلالنا، عطايا كوّنت منه حبيباً إلى كلّ مغترب ومقيم.
إن سرّ شربل بعيني هو بهذا الأنس الكامن فيه، بهذه الشفافيّة الرائعة، بهذه الصراحة والبثّ المحبّب الذي ألّب الكثيرين إليه، وألّب الكثيرين.. عليه!!
إن الإنسان الذي يختلف فيه الحبّ والرأي، لهو من الكبار. وإننا، نحن الشرقيين، إذا نبغ واحدٌ منّا عِوضَ أن نكون كالغربيين نغار عليه فنغار منه.
إن أحدهم يشبّه الغربيين طالعين السلّـم، يدفع بعضهم بعضاً للعلاء، وأما الشرقيون فيشدّون ببعضهم في السلّـم إلى تحت!!
وأنا أريد، بل أحبّ، أن يؤتى الإنسان منافساً أو حسوداً عملاً بقول أبي تمام:
وإذا أراد اللـهُ نشرَ فَضِيلةٍ
يوماً، أتاح لها لسانَ حسودِ
فالحسود لا يؤذي إلاّ نفسه، ولكن ينفع خصمه لأنّه يلفت إليه الخواطر والأنظار فيعرفون قدره. والجوهرة لا تعرف إلاّ بالمصهرة. فحذار أن يكون هناك حاسداً، أتمنى له أن يترفّع عن الأذِيّة كرمى لعينيه، لئلاّ يُتّهم بألف تهمة وتهمة، وبذلك أكون فضّلت كرامته أن تنحدر إلى أدنى الدركات.
إن شربل بعيني مبدع، فاقت كتبه العشرين. لو كان بإمكانه أن يكون بائع ورد، أو قطع غيار، لملأ أستراليا مالاً، وعمّر قصوراً. ولكنه آثر أن يخدم وطنه لا نفسه، فانصرف إلى التعليم والتأليف. فكم من مهرجان ومسرحيّة ومؤتمـر جنّد شربل له كل قواه، فعمل ما لـم يعمله العديد من السفراء والقناصل الذين يهمّهم كلّ شيء ما عدا الوطن!
كم من أناس يهاجرون، أو يحتلّون القنصليّات والسفارات والسرايات، هـم على شاكلة قرد ذلك الغيلـم في قصّة إبن المقفّع، ينزلون البحر وينسون قلبهم على الشاطىء، فيعيشون في الغربة أجساماً بلا فكر ولا روح، مأجورين في وطن لا يؤمنون بديمومته. وأما شربل، فحمل قلبه على كفّه ونزل إلى المعترك، سفارته النقّالة، ولبنانه الرسالة في الجبين، وفي القلب وفي الضمير. فلا كثير عليه الأوسمة والتكريم والبذل.
عرفت الكثيرين بعد سنين، نسوا وطنهم، حتى إنهم تنكّروا للغتهم، فيتربّى أولادهم على التنكّر للبنان. وها هو شربل بعيني في (هاريس بارك) يعلّم أولاد اللبنانيين لكي يندمجوا بوطنهم عن طريق اللغة. فهل من يدلّني على مثل هذا الإستشهاد الدّائـم في سبيل لبنان؟!
وبالمناسبة، أقترح على الدولة أن تخترع وساماً تسمّيه (وسام الإغتراب اللبناني)، علّها تشجّع هذا وذاك ليحملوا في أجسامهم دماً نقياً للبنان، ويكون شربل أوّل حاملي هذا الوسام.
وكم من ذوي مآرب وجشع ومصالح يخلّون وراءهم لبنان للذئب والغراب، يعيش كل لنفسه كأنه وحده في جزيرة. وأما شربل فهو (البرزخ) للمقيم والمغترب، كأنه واصل إلى أستراليا توّاً من مجدليّا، (خاص ناص) مادة خام.. فيها كل الحب والوطنيّة والتفاني بلا حساب.
وأما أن نطعن بشربل بعيني الذي انتخب من بين 41 مرشّحاً، فهذا عين التجنّي والحقد والإجحاف. فالترفّع عن الحقد كبير والبغض جريمة. حرام أن تنهش قلوبنا الأفاعي، فالحقد حقير.
وأمّا أنا فأقول لشربل ما قال ريشيليو: (لولا انتقاد أعدائي ولؤمهم، ما نجحت في كثير من أعمالي).
ويقول الشّافعي في معنى آخر:
كلّ العداوات قد ترجى إزالتها
إلاّ عداوة من عاداك عن حسدِ
وسلام اللـه عليك يا أخي شربل.
بوركت لك الجائزة وهذا التقدير،
فأنت كنت وتظلُّ رسول لبنان.
الأنوار البيروتيّة 2001
**

