شربل بعيني كما يراه عصام حداد


 شربل بعيني العفوي أدباً وخلقاً ومسلكاً وحياة، يأنف حتى الساعة، بعد إصداره ما يربو على العشرين كتاباً وهو دون الأربعين، يأنف أن يُعمل في شعره، مذراة التشذيب، لأنه يؤمن أن للأدب عوراته وإبداعاته، الشوكة الى جانب الوردة، والقصبة المرضوضة إلى جانب السنديانة الباسقة، وكل ذلك التباين يجسّد الجمال.
   وكل مرة يصدر كتاباً نرى فيه كوكباً أفضل بشعر هادف ثوري عملاً بقوله: "لقد سخّرت مالي في خدمة حرفي، وجندت حرفي في خدمة الانسانية، فساعدني يا رب كي أمتلك الحقيقة".
   بهذه العبارة يصدر كتابه الجديد "مناجاة علي" قسّمه إلى عشرين مزموراً يطلعك بتساؤل مرّ عنيف:
سألتك عن حالي.. جاوبني
كيف بخلّص حالي.. وكيف
بهرب من عالم تاعبني
ما بيتلاقى فيه نضيف؟
   تساؤل مجروح حتى الثمالة، يستنجد به بطلعة الشاعر، يتوسل بايمان المستسلم لمشيئة ربّه، بتواضع التقي كي ينتشله الإمام من أوجاع عالم طاغٍ لا يرحم نفوس العظماء المرسلين. يشعرنا معه بالمأساة حتى تكاد كل كلمة تكون صرخة من حنجرة مبحوحة لا تقوى على الوقوف في درب المأساة الجارفة، فكان لا بدّ من الارتفاع الى القوة الخارقة للتخلص من المأزق القاسي المريع.
   ولكن القول:
ما بيتلاقى فيه نضيف
    تشاؤم مر لا يوافقه احد عليه، حتى الإمام ذاته، ولا أحد من الأولياء ولو كان دلالة على عظم المرارة والتبرّم من الحياة، لأنه تصميم مطلق وتقرير لا يترك لنا مجالاً ولا منفذاً لتساؤل وتحاور.. لأن التفاؤل أغرودة العمر وقيثارة الهناء.
   وأما قوله: 
حقنوا الكذبه بشراييني
خلّصني من الكذبه إنت
شكٌ بالناس ويقين بالولي الإمام، صحيح أن هذا التشاؤم المطلق ينغّص العيش ولكنه دليل على أرواح العظماء التي تعاني التناقض في انفعالاتها من رهافة الحسّ وطول التأمّل والاستجابة لتفاعلات الحياة. 
   من يصدّق أن شربل بعيني "الأهزوجة الدائمة" يضمّ في شرايينه هذا الضجيج المحشو بالتشاؤم والمرارات. هل في أعماق أعماقه نزف جرح خفي؟ أم أنه، لصراحته المعهودة وعفويته، يقشعر لأي طارق عليه كما تقشعر إبرة الحاكي من أي نشاز؟.
   وبعد أن يبالغ شربل، معجباً إلى أبعد من الدهشة بالإمام فيسميه "قديس القديسين"، ويصمم تصميماً لا مردّ له ولا جدل فيه:
كل الناس اعترفت فيك
ومتلك ما عرفت هالناس
   يلطّف من غلوّه ويحصر إعجابه:
حرقتلك عمري بخّور
وكل ما بينقص عمري يوم
العمر بيطول فيك دهور
   وما الباقي من المزمور الثالث والمزمور الرابع، إلا عرض لأفكار "علي"، ونقل حكمه ونصائحه نقلاً أميناً يهيمن فيه المنطق أكثر من الشعر إلى أن يخرج بنتيجة حكمية من حصيلة اختبارات:
ما بدّك يانا نزغر
ونزحف خلف جنون المال
أعمار الكلّ بتقصر
وما بيبقى غير الأعمال
   ويراه "أكبر من إنسان" "ووحده الغاية" ويسأل أن يهبه التقوى والتواضع والصدق بهذا القول الرائع:
علّمني سامح أعدائي
الْـ طعنوني بخنجر مسموم
وإفلش صوتك ع أشيائي
وإرجع متل المارد قوم
   ويحصر الشاعر فضل القيم الانسانية في الانسان "بالإمام" وحده، حتى دفعته عاطفة الإعجاب إلى حدّ أنه لم يعد يرى إلاّه، بتقرير تجريدي لا مردّ له ولا حوار به:
مين غيرك خلاّنا نحسّ
بقيمتنا الإنسانيّه
ووحَّدنا بكلماتو بس
بشخصيتو الربانيّه
   ويؤمن شربل بأن كل الكتب قبل "الإمام" تزوير بتزوير، إلى أن نصل إلى مبالغة أخرى بها يصر "كل الإسلام بالإمام وكل الحقيقة به":
منّك كان البدُّو يكون
ومن دونك ما كان الكان
محّيت بإيديك ظنون
مدِّت إيدا ع القرآن
   ويرى الشاعر بعيني أن لا بد من إشراك "يسوع" بعظمة الإمام، وانه تعلم منه عظمة الحب المتجسدة فيه:
يسوع الـ علّمني الحب
يا علي.. متجسّد فيك
شاركتو بآلام الصلب
وخفّفت عذابو يا شريك
   فجاءت كلمة "شريك" تؤكّد بتجسّد يسوع بالإمام، فيصل شربل إلى قمة الإعجاب والنقمة على الاحتيال والتزوير والنفاق، ملخصاً بالطلب إلى الاثنين ليسعفانه على خلق إنسان جديد لا تحدّه حدود، ولا تردّه سدود، لأن الدين لم يخلق للتنافر والتناحر بل لصهر الانسان بروح كونية ووحدة، وذلك لن يكون إلا بعلمنة شاملة نسخّر بها كل شيء في سبيل إسعاد الانسان، فينتفض شربل بعيني إلى حلّ رائع بدين يوحّد الكل في الحبّ:
لازم إخلق عالم تاني
يفهم كلماتك كلاّ
يوحّد أديانو بديانه
بترفض نتقاسم ألله
   ويجد شربل أسباباً تخفيفية لقول الإمام "المرأة كلها شر"، بأنه قول عفوي، فيصل إلى المزمور الحادي عشر الذي يشبه المزمور الخمسين من مزامير داوود:
إنسان.. وعم شوّه عمري
يا علي.. وإتعذّب فيه
خلصني.. محّيلي قهري
مين غيرك قادر يمحيه
ما بدي إخطى وإتعذّب
بدي إتطهر بكلامك
إتقدّس فيك وإتهذَّب
وإيامي تصفّي إيامك
   والشاعر الذي يكتب ليمحو الغربة من روحه الكبيرة، مع أنه محاط بالحب والإعجاب، لا يرى الناس إلا أهل تزوير ومراء شأن النفوس الكبيرة القلقة، التي لا ترتاح حتى تستقر بالغبطة الكبرى، فيسب شربل رجال الدين ويصمم مرة بعد غضبه ونقمته:
ألله واحد.. واحد بس
اختلفوا فيه لصوص الدين
افتكروا فيهن يطفوا الشمس
بكذبن.. ويغشّوا مساكين
   ويزيد غاضباً:
حرقوا الأرض وداسوا العرض
   ويصل به الهوى إلى حدّ أنه يطلب من "الإمام" ألا يسامحهم ويعزّي نفسه مقنعاً بأننا تراب وإلى التراب نعود:
لا فهمناها ولا فهمتنا
كمشه من ترابا عطيتنا
جتّه.. كل ما انتهيوا سنينا
بترجع لترابا جتّتنا
   ويُنفس عنا ونرتاح عندما نرى شربل بعيني يتلاقى بصلاّح من الشرق، وأظنهم تلامذة الإمام:
تركوا الخير غمار غمار
...
ولو ما بنورن ضوّوا الشرق
ما انفتحت للشرق بواب
   فإذا بالمزمور السادس عشر قمّة في الإبداع، جرّحني فيه القول:
ما شافت ايامي العيد
ولا نشفت بالليل دموعي
...
لا الماضي بعدّو من الماضي
ولا الحاضر قادر يشفيني
عشت الغربه ومنّي راضي
قللي شي كلمه تراضيني
   بهذه اللوعة يتركك شربل إلى حدّ أن يستنزف دموعك إذ يصل بك إلى حائط مسدود، فيذكرك ببعض شعراء العصبة الأندلسية والرابطة القلمية الذين عانوا الشك بالمصير فكثرت تساؤلاتهم حول الوجود والنهاية أمثال إيليا أبي ماضي وشكرالله الجر ونسيب عريضة:
ليش خلقنا والآثام
عم تحصدنا بمنجلها
ولذّتنا نسخّر أرحام 
تا نتجمّع داخلها
نهايتنا ما منعرف وين
وبدايتنا نسيناها
وكل ما نفّض حالو البين
بيلغي دروب مشيناها
مش مسموح نعيش كتير
يومين تلاته ومنموت
مين محّى خوف التفكير
مين حبّبنا بالتابوت؟
   بعد المزمور السابع عشر، مزمور الحيرة والشكّ بالمصير، وبعدما يتلاعب شربل بعواطفنا تلاعباً مثيراً، يطمئننا بإيمان قوي ينبعث من نفسه العاتية:
مش خايف.. إيماني أقوى
بوحدة أديان سْماويّه
 بوحدة ألله الـ خلاّ التقوى
تجمّعنا بهالأرض سْويّه
   هذا هو شربل بعيني الذي عرفته مرآة صافية تعكس ما في الوجود، بعفوية وصدق ووفاء وعطاء، هو دائم الهوس والتحفز للبذل كالوردة في دفاق العبير، لا يهمه كيف يعطي، يهمه أن ينفّس عما يحسّ به، وأن تصل كلمته البناءة إلى كل إنسان، يريد أن يكون مصلحاً ويهمل أحياناً الصياغة فيسخّرها للفكر مع أن الصياغة وعاء ذهبي للفكر الذهبي.
   هو يعرف أن الطبيعة وهاد وجبال، ورد وشوك، قضبان مرضوضة وباسقات، نهارات وليال، عسر ويسر، لذلك يأنف أن يمحّص ويشذّب وينقي، كل همه أن يكون الهادي والرسول.
النهار، العدد 730، 5/12/1991
**